مجمع البحوث الاسلامية

727

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والذّوق ، لأنّ الذّوق داخل في اللّمس ، لأنّه يرجع إلى جلد الفم ، والشّمّ حسّ ضعيف ، ليس فيه تكليف حتّى يسأل . وقد أورد عليه بأنّ غير السّمع والبصر أعظم في المعصية ، لأنّ معصية السّمع تنحصر في سماع الغيبة أو اللّهو ونحوهما ، ومعصية البصر في النّظر إلى محرّم ، ولا حدّ في شيء منهما ، ومعصية غيرهما من الأعضاء أهمّ ، فمعصية اليد توجب الحدّ . ومعصية الفرج توجب الجلد أو الرّجم ، فكان ينبغي أن تخصّا بالذّكر . ثمّ إنّ مطلق الجسم ليس فيه معصية ولا حدّ ؟ وهذا هو الّذي أوجب أن حملها ابن الأثير على الفرج فقط . وقد قيل في وجه اختصاص السّمع والبصر بالذّكر : أنّه ما في معصية إلّا ولهما دخل فيها . وهناك سؤال آخر : ما وجه اختصاصهما بالذّكر في الآيتين مع ذكر شهادة الأيدي والأرجل أيضا في : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يس : 65 ، وهي مع الألسن في : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ . . . النّور : 24 ؟ وعندنا أنّ القرآن يتفنّن في ذكر الأشهاد في تلك الآيات ، فلوحظ في بعضها ما له دخل في جميع المعاصي كالسّمع والبصر والجلود - لو أريد بها العموم - وفي بعضها ما تصدر عنه المعصية كالأيدي والأرجل والألسنة ، مع أنّ شهادة الألسنة تعدّ اعترافا بجميع المعاصي الّتي صدرت عن الإنسان . وهناك بحث طويل في ذلك بين ابن الأثير وابن أبي الحديد والقاسميّ ، فلاحظ . وسؤال ثالث : ما وجه اختصاص الجلود من بين الأعضاء في سؤال أهل العذاب في ( 8 ) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ؟ وأجيب بأنّ الجلود تعمّ جميع الجوارح - لو أريد بها الجميع دون الفرج خاصّة - فقامت مقامها - مع أنّ شهادة الجلود أعجب وأغرب من غيرها ، لأنّ الأعضاء الّتي تصدر عنها المعصية هي المسؤولة عنها بالذّات ، والجلود مسؤولة تبعا لها ، فلم يشهدون عليها ؟ ولهذا أجابتهم الجلود : قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . ولك أن تقول : إنّ « الجلود » تعمّ القريب منها والبعيد فتعتبر أقرب الأعضاء إلى الإنسان ، أو أنّها جميعا تشهد بأصواتها شهادة واحدة ، أو كانت أصواتها تعلو أصوات غيرها ، أو أنّها بمرءى منهم بخلاف السّمع والبصر ، أو لأنّها تلمس العذاب بالقوّة المودعة فيها ، كما تشير إليه كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ فترفع صوتها بالشّهادة ، كما أنّها تباشر المعصية مع جميع الأعضاء والحواسّ ، فيوجّه خطابهم إليها . 5 - هناك بحث في كيفيّة شهادة الأعضاء وكلامها ، وفي أنّها شهادة جبريّة كما يشهد به : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فلا حجّة فيها ، وتمام البحث في « ش ه د » فانتظر . الحادي عشر : الآيتان ( 1 ) و ( 2 ) مدنيّتان مضمونهما تشريع ، كما هي الحال في آيات الأحكام غالبا . وقد خصّتا بصيغة الفعل والمصدر . والتّسع الباقية